|
كتبها حسيب الجاسم
|
|

|
|
|
كتبها مراس الحوار الموصل
|
مر العراق بمخاض عسير لم تتضح نتائجه بعد.. فمنذ عام 2003 ولغاية الآن مازال العراق والعراقيون في انتظار الفرج؛ المواطن العراقي بشكل عام، والموصلي خاصةً، الكل يسأل. ماذا بعد؟.
دخل العراق معمعة الانتخابات في خضم التحديات التي واجهته ومنها تحديات داخلية؛ مثل الواقع الأمني الصعب، والبطالة المستشرية، والفساد الطاعن في مفاصل الدولة، وسوء الخدمات،... وغيرها من التحديات التي يعاني منها المواطن.وتحديات أخرى خارجية ومنها؛ التدخل غير المشروع في الملف الأمني العراقي من قبل دول الجوار، وعلى وجه الخصوص إيران، وكذلك محاولة بل محاولات تزييف وتزوير نتائج الانتخابات بوسائل متعددة ومبتكرة، وكذلك محاولات التأثير على الناخب من خلال الدعايات المغرضة، والتي لا تريد للمواطن العراقي الخلاص من الواقع المر الذي يعاني منه في شتى نواحي الحياة.
على العموم؛ فإن المواطن البسيط الذي قام بما عليه من واجب في الزحف لصناديق الاقتراع متأملاً في الغد القريب الواعد عسى أن يغير منه ما يمكنه التغيير، قد رمى بالكرة في ملعب النواب الجدد ليفوا بالوعود التي قطعوها على أنفسهم؛ وما أكثرها من وعود!.
من أجل ذلك قمت بإجراء استطلاع للرأي حول الدافع وراء المشاركة في الانتخابات الأخيرة والأمنيات المعقودة عليها؛ وقد وجهت نفس الاسئلة على الذين استطلعت آرائهم، وهي:ما هو السبب الذي دفعك للمشاركة في الانتخابات الأخيرة؟.ماذا تتوقع من النائب الذي انتخبته؟.كيف ترى مستقبل العراق على المدى القريب؟.كيف كان يوم الاقتراع معك؟.
ردود المشاركين في الاستطلاع الذين حرصت على أن أختارهم من شرائح اجتماعية متنوعة الانتماءات الثقافية والطبقية كانت متباينة على شكل واضح لا يحتاج لكثير من التعليق.
نسبة كبيرة من المشاركين قالوا إنهم شاركوا في الانتخابات رغم المخاطر الأمنية والتحديات؛ بهدف الحصول على الأمن والأمان للعراق من خلال اختيار الامناء، والبعض قال بأن المشاركة كانت من أجل التأكيد على الحق في هذه الممارسة الديمقراطية، والبعض الآخر قال بأن طريق التغيير يبدأ بخطوة وهي تبدأ من صندوق الاقتراع.
وسنعرض في ما يأتي البعض من آراء المشاركين في هذا الاستطلاع.
ـ السيد أبو أحمد, 35 سنة,كاسب:
- أنا لم أكن أريد الخروج في هذا اليوم أبداً، ولكن عندما شعرت بمدى التحديات التي يتعرض لها بلدي بشكل عام ومدينتي بشكل خاص صممت على الزحف لأكثر من عشرة كيلومترات ذهاباً وإياباً مشيا على الاقدام بسبب منع تجوال السيارات؛ وأنا لست بنادمٍ على ذلك التعب بل على العكس فأنا أشعر بأنني قد أديت واجبي تجاه وطني وديني، ومحاولة التغيير تستحق التعب والعرق، وسوف أحاجج المرشح الذي أعجبني كلامه أمام الله تعالى إن هو أخل بما قال، وأتوقع من كل النواب ليس ممن رشحته فقط بذل قصارى الجهود في خدمة العراق وليس ادخار الأموال ليوم مغادرة البرلمان بعد أربع سنوات.
ـ السيد أبو عبد الرحمن37سنة معلم:
- منذ البداية كنت أثقف من حولي بضرورة المشاركة في هذه الممارسة التي أستطيع أن أقول عنها إنها الفاصلة في تاريخ العراق، لأن القادم لسدة الحكم يجب أن يكون خادماً للشعب وليس سيداً على رقاب العباد.
واجهت المشاكل في البداية في سبيل إقناع البعض بضرورة المشاركة ولم أكن أدعو لأي من المرشحين بل كنت أريد منهم مجرد المشاركة لا أكثر، وبعد ذلك تمكنت من إقناع الكثيرين بالعدول عن قرار عدم المشاركة ولله الحمد، كنت على تواصل مع البعض منهم في يوم الاقتراع وتأكدت من أنهم قد شاركوا في اختيار من يثقون بهم من المرشحين..
أما عن نفسي فإن قصتي مع يوم الاقتراع بدأت من الساعة التاسعة صباحاً حيث قصدت بيت أحد أقاربي الذي أقنعته بضرورة المشاركة، ومن هناك توجهت ماشياً بحدود ساعة ونصف للمركز الانتخابي الذي وجدت فيه أفواج المشاركين من رجال ونساء وشيوخ وعجائز، فالكل جاء بهمة والكل يتحدث عن محاولة التغيير بأغلى شيء ألا وهو الصوت؛ ولكن في طريق العودة خارت قواي قليلاً حيث وصلت بيتي بعد حوالي ساعتين من المشي والانتظار، وكنت في غاية السرور لأن الذي أريده فعلتـُه ولم يوقفني أحد. وفي طريق ذهابي وإيابي شاهدت ما يسُّر حيث رأيت أفواج الناس يمشون وكأن اليوم عيد، والذي أثار إعجابي وسروري هو أن البعض كان يقصد مراكز الاقتراع على كراسٍ متحركة، وسيارات الجيش والشرطة كانت تؤدي واجبها في نقل كبار السن والمعوقين، وكثيرة هي مشاهداتي عن يوم الانتخابات، وأتمنى من النواب الجدد أن يراعوا الله في أبناء الشعب، لأن العراق ينتظر من أبنائه إنقاذه من الواقع البائس الذي يعاني منه؛ ولا أنسى أن أطالب الجميع بإزالة الإعلانات المنتشرة هنا وهناك في المدينة والتي يعود البعض منها للانتخابات الماضية في العام 2005.
ـ رجل كبير في السن رفض أن يذكر اسمه:
- جئت للمشاركة في هذه الانتخابات راغبا بالتغيير لأنني سئمت الوضع البائس الذي يعاني منه البلد في شتى نواحي الحياة، وأستطيع تلخيص ما أريده بعدة نقاط:
أريد من مشاركتي هذه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الواقع المزري في العراق.
أريد من مشاركتي أن لا تعود الجثث المرمية على الطرقات بسبب تناحر سياسي أو تطهير عرقي أو عنصري؛ لأن العراقيين أخوة قبل أن يُسَيس السياسيون كل الأمور على أهوائهم.
أريد من مشاركتي رفع التجاوزات على المواطنين من قبل الذين يستغلون الظروف الصعبة التي يعاني منها البلد.
أريد رفع الحواجز الكونكريتية التي تنتشر هنا وهناك في مدينة الموصل، وفتح الشوارع المغلقة وتقليص عدد السيطرات داخل المدينة إلى الحد الذي يُضمن أمن المواطن مع الحفاظ على حريته وكرامته غير منقوصة.
النظر بعين الرحمة للمواطنين في معالجة المشاكل الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء والماء، وإكساء الطرق التي تعاني من الإهمال منذ زمن.
توظيف الخريجين الذين يحملون همة الشباب وإصرار الكبار في زمن أصبحت التحديات إحدى أهم معالمه.
ـ السيدة شيماء عبدالرحمن مدرسة ثانوية:
- جئت وتحملت المشاق من أجل شيء واحد وهو التغيير؛ التغيير ولا شيء سوى التغيير، وأرجو أن يحصل التغيير.
ـ السيد محمد أحمد صالح,25 سنة, صاحب مقهى:
- بصراحة كنت عازما على عدم المشاركة ولكن أحد الأشخاص قام بحثّي على المشاركة وبإلحاح، فقلت في نفسي لِمَ لا أشارك وليكن ما يكون، فساهمت في هذه الممارسة راجيا من الله تعالى أن أكون قد أديت ما عليَّ من أمانة، وأن أكون قد أبرأت ذمتي، وما يكون من النواب الجدد هو عائد لذممهم ولما بينهم وبين الله تعالى؛ وأنا أتمنى من الجميع أن ينظروا إلى العراق على أنه عراق جميع العراقيين.
هذه أهم آراء المشاركين في الاستطلاع حيث جاءت معظم الآراء الأخرى قريبة أو متطابقة مع ما تقدم، وبهدف الاختصار اقتصرت على هذه العينة منها، ولكن ما أريد أن أقوله للنواب الجدد (والقدماء) الذين سيكونون في البرلمان الجديد أيضاً:
لو أن كل مرشح التزم بالوعود التي قطعها على نفسه لما بقي في العراق مشكلة تذكر، ولو أن كل منهم وفى بنصف تلك الوعود، فإن في المستقبل خيط أمل في التغيير نحو عراق حر ومستقل وقوي، وسنرى شيئاً من النور في آخر النفق المظلم الذي طال ظلامه على العراق على مدى سنوات الاحتلال.
نوابنا الكرام: العراق أمانة في أعناقكم، والمواطن يسأل:
. هل ستتحسن وضعية الكهرباء والماء وسائر الخدمات؟
. هل سيعود الأمن والأمان للعراق من جديد؟
. هل ستُصان كرامة العراقي؟
. هل سيتمكن المواطن من إيجاد فرصة في عمل شريف تليق بكونه ابن احد أغنى بلدان العالم؟.
كثيرة هي الأمنيات وأكثر منها هي الكلمات والأكثر هي الآهات التي تخرج من صدر المواطن المثقل بآلام الواقع الصعب! ولكن ما زال الأمل بالغد كبيراً عَلـّهُ يأتي بخير.r
|
|
الكاتب والباحث اليمني نبيل البكيري في لقاء مع مجلة الحوار |
|
كتبها ثابت الاحمدي
|
- كيف تقيم وضع الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم؟.
- وضع الحركات الإسلامية المعاصرة هو وضع لا يسر لأنها لم تحقق أهدافها التي دعت إليها ولم تندثر من الوجود كبقية التيارات والتنظيمات الأخرى من يسار ويمين ووسط وهلم جرا، وبالتالي فإن هذه الحركات بحاجة إلى مراجعات فكرية كبرى تقف من خلالها عند عوامل النجاح ومكامن الإخفاق والفشل وإعادة تقييم التجربة بعد كل هذا المشوار التربوي والسياسي والدعوي أيضا، لهذه الحركات التي يقترب عمر بعضها إلى أكثر من سبعة عقود من الزمن دون أن تحقق شيئاً ملموسا على الواقع، واكتفائها بالوجود من خلال وسائلها التي رسمتها لتحقيق أهدافها وهو التنظيم؛ ثم لم تلبث أن تحولت هذه الوسائل أي (التنظيم) إلى أهداف تعمل هذه الحركات على الانكباب عليها والبقاء من أجلها، لتتحول وسائلها إلى هدف رئيسي قبرت به كل تضحياتها وطاقات مفكريها وكوادرها الرائدة، في حالة صنمية محبطة، لا هي التي تركت المجال لهذه الكوادر للإبداع خارج أطرها التنظيمية، ولا هي تركت لهم المجال للإبداع والعمل في مواقعهم التنظيمية داخل الحركة.
صحيح أن الحركات الإسلامية لا أحد يستطيع أن يتجاهل أدوارها على الساحة فكراً وثقافة وتضحية؛ لكن لا أحد يتجاهل أيضا أن إنجازات هذه الحركات لم تكن عند مستوى ما دعت إليه ونادت به على امتداد تاريخها الوجودي، صحيح كذلك أنه لم يتح لها المجال واسعاً لتثبت من خلاله وجودها وقدرتها على العمل والإنجاز.
إلا أن هذا لا يعفيها من تحمل مسؤولية هذا الإرباك إن لم نقل الإخفاق في عملها، خاصة وأن هناك حركات إسلامية خارج محيط الدائرة الجغرافية العربية حققت نجاحاً كبيراً ومذهلاً ، وهي تمثل حركات إسلامية امتدادية لا نقول حركية بل فكرية للمدرسة الحركية الإخوانية في الوطن العربي، كما هو حال مع حزب العدالة والتنمية التركي، الذي يعد امتدادا فكرياً للمدرسة الإخوانية، وكذا تجربة إسلاميو إيران وماليزيا والبوسنة والهرسك، وكلها مدارس إسلامية تأثرت لا شك بالمدرسة الحركية الإخوانية فكريا، ولا أدل على هذا من الكتب الحركية المترجمة إلى الفارسية والتركية، وخاصة كتب سيد قطب ورسائل البنا.
في حين لم تزل الحركة الإسلامية في البلدان العربية حبيسة عادات وتقاليد بيئاتها العربية وظروف مجتمعاتها السياسية والقبلية التي لم تعمل على الخروج من دوامتها حتى الآن، وخاصة في ضوء التجربة السودانية التي عكست صورة سيئة عن الحركات الإسلامية كلها، رغم التقدم الفكري الذي تمتعت به الحركة الإسلامية السودانية، لكن الممارسة كانت سيئة للغاية.
وإن كان هناك من نجاح (فإنه نجاح مع وقف التنفيذ) كما هو الحال في تجربة حماس الفلسطينية، الوحيدة التي لا نستطيع الحكم عليها للملابسات التي أحاطت بهذه التجربة منذ البداية فضلا عن الوضع الإحتلالي الذي تعيشه هذه الحركة؛ ومع هذا فإنه لم يتح لها العمل رغم ديمقراطيتها وسلميتها بفعل التخوف الغربي والكيد العربي الذي وقف لها بالمرصاد. ومع هذا فلا شك أنها حققت نجاحاً كبيراً، لا في الأداء ولكن في السلوك والالتحام بالمجتمع الفلسطيني، الذي وقف إلى جانبها طوال فترة الحرب والحصار الممتد لأكثر من ثلاث سنوات. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أهمية الشرعية الشعبية في حماية الأنظمة والسلطات الحاكمة.
- لكن لماذا تشتتت هذه الجماعات في الوسائل مع واحدية الهدف عندها؟.
- هذا برأيي يرجع بشكل كبير إلى انعدام الوعي السياسي وغياب المراجعة الفكرية الجادة للتراث الإسلامي، بشقيه الديني والتاريخي، الذي لا زال جزءاً كبيراً منه يمثل عائقاً كبيراً أمام أي عمل نهضوي في هذه الأمة، لما يحتويه هذا التراث من نظرة ماضوية آسرة لم يستطع الإسلاميون اليوم الإنفكاك من أسرها؛ وجمودهم على صورة تاريخية لم يعد لها إمكانية التحقق لأسباب كثيرة موضوعية وذاتية، ليس أقلها اليوم التحولات الهائلة في الاجتماع البشري فكراً وسياسة وممارسة، فلا يسع المسلمون اليوم إلا التعامل معها والتكيف في إطارها بصورة تتناسب مع وسطية فكرهم ورسالية دينهم الذي يحثهم على أن يكونوا قدوة للبشر.
- هناك من الجماعات الإسلامية من تدعي تمثيلها للإسلام وأنها هي أهل السنة والجماعة هل يصح لها هذا الإدعاء برأيك؟.
- مسألة تمثيل الإسلام هذه مسألة قديمة منذ نشأة أول وكبرى الجماعات الإسلامية الممثلة بالحركة الأخوانية التي أسسها الاستاذ البنا في عام 1928م وأطلق عليها حينها اسم (الإخوان المسلمون)، حينها قال أناس انهم يستنكرون وجودها ويقولون إن هذا الجماعة تستأثر وتحتكر الإسلام بقولها إنها جماعة الإخوان المسلمين دون غيرها، فرد عليهم البنا حينها بأنها أي جماعة الأخوان هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين؛ وهو جواب فيه الكثير من الإقناع في ضوء الممارسة والسلوك الذي اتسمت به جماعة الإخوان حينها، حيث إنها لم تدّع تمثيلها للإسلام إنما هي جماعة من المسلمين كما قال البنا، وفي هذه الأثناء كان هناك جماعات إسلامية عاملة في الساحة كجماعة الشبان المسلمين وجماعة أنصار السنة وغيرها الكثير من الجماعات التي تعايشت معها حركة الإخوان بصورة راقية. إلا أن هذه الإشكالية عادت إلى السطح في ستينيات القرن الماضي بعد مقتل البنا وتشكيل ما عرف بتنظيم 1965م، الذي دعا إلى محاربة النظام الحاكم ودمغه بالكفر، وكذا المجتمع الذي يقبل بمثل هذا النظام الحاكم، فكان كتاب الاستاذ حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة» بمثابة رد على مثل هذه الأفكار التكفيرية التي حاولت الاستئثار بتمثيل الإسلام والاستئثار بمفاتيح الجنة والنار من خلال توصيف الإسلام والكفر.
-ما رأيك بمصطلح (الإسلام السياسي) المتداول في الإعلام حاليا؟.
الحديث عن إسلام سياسي وآخر غير سياسي وثالث شعبي ورابع إسلام راديكالي وهلم جرا من التسميات، هو من قبيل المدح بنية الذم! وهذه التسمية ليست بريئة مطلقا وقد تم التحضير لها وإعدادها بعناية في مطابخ صناعة القرار الغربي المتمثلة بمراكز الدراسات والأبحاث الغربية، التي تريد بهذه التسمية تجزئة الإسلام ودمغ الإسلاميين بالانتهازية السياسية تحت شعارات التدين، وبالتالي فهذه التسمية تختزل الكثير من الحقائق ولا تمثل توصيفاً موفقاً للظاهرة الإسلامية التي أزعجت الغربيين كثيرا، كونها تمثل بالنسبة لهم مشروعا إسلاميا نهضويا ندياً يحمل في جنباته وأدبياته رؤية حضارية متكاملة يخشى الغرب تبلورها على أرض الواقع مخافة أن تمثل هذه الظاهرة تهديدا مستقبليا للمصالح الغربية في العالم الإسلامي الذي يمثل البقرة الحلوب لمصادر الطاقة وسوقاً استهلاكياً لمنتجاته ومقبرة لمخلفاته ونفاياته السامة.
وقد بدأت هذه التسمية بالظهور مع صعود نجم الحركات الإسلامية منتصف القرن الماضي، ولكن هذا المصطلح استخدم إعلامياً بشكل كبير بداية التسعينيات، وقد مثل كتاب «فشل الإسلام السياسي» للمستشرق الفرنسي الشهير (أوليف روا) أول كتاب يحمل هذا المصطلح وينظر لفشله وانتهائه، والذي صدر متزامناً مع أحداث الجزائر عام 1992م، التي تمثلت بإلغاء الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في جولتها الأولى بأغلبية ساحقة.
- وأنت تقرأ تاريخ الجماعات الإسلامية وخاصة التاريخ القديم تجد أنها قد قمعت وحوربت وصارت في خبر كان، باستثناء من عرفوا بحنابلة بغداد والذين لا يزالون اليوم متمثلين بالوهابية، إذا استثنينا ما لحق بهم خلال فترات وجيزة أيام “المأمون – المعتصم – الواثق” ثم ما لبثت أن ردت الصاع صاعين فيما بعد وحتى اليوم، والسؤال هنا ..ما حقيقة ما يمكن أن نسمية بالزواج الكاثوليكي بينها وبين الحكام من جهة؟ وما مشروعها الحضاري؟ ثم ما هي إنجازاتها العلمية والتطبيقية؟ ولماذا تتشظى هذه المدرسة إلى مدارس متعددة ومتخاصمة؟ ثم لماذا يهتمون بالحديث أكثر على حساب القرآن وأكثر ؟ وكيف تقرأ مستقبل هذه الجماعات ؟ وكيف تُقيم التيار الإصلاحي الذي بدأ يظهر على سطح هذه المدرسة ؟ وكيف تنظر إلى الفتوى والفتوى المضادة بينهم أو مع الجماعات الأخرى؟.
- سؤال كبير ومتشعب لا يمكن الإجابة عليه بلمحة صغيرة، ولكن كما قيل ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبالتالي أقول إن ما سميته بتيار «حنابلة بغداد» وحقيقة ارتباطهم بالسلطات هذه الأيام الذي أسميته بــ”الزواج الكاثولوكي” فهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو دحضها، مع أن المفارقة العجيبة والغريبة هي أن «حنابلة بغداد» قديماً لم يكونوا ذيلا وظيفيا للسلطان بعكس ما هو عليه الحال اليوم فيمن يدعون إمتداديتهم الفكرية للإمام أحمد، الذي وقف في وجهة السلطات الحاكمة وقاومها في سبيل معتقده الذي آمن به ولاقى في سبيله ألواناً من العذاب بصورة لم يشهد لها مثيلا في تاريخ مقاومة السلطات من قبل الدعاة والأعلام في الإسلام، فيما عُرف في تاريخنا الإسلامي بفتنة خلق القرآن الذي تبنى مقاومة القول بها وضحى من أجلها الإمام المجدد أحمد بن حنبل وعدد من تلامذته وأصحابه كأحمد بن نصر الخزاعي وغيره.
أما اليوم فإن من يدعون أنهم امتداد لفكر ومذهب أحمد بن حنبل لم يأخذوا من مذهبه وفقهه غير “عدم الخروج على الحاكم الجائر، وعدم منازعته حقه في الحكم والسلطان، وإن جلد ظهرك وهدم دارك” تلك الجزئية التي اختزلوا الإسلام كله فيها، مع ما فيها من إشكالات هم أكثر دراية بها من غيرهم، فيما يعرف في علم الحديث بمسائل الجرح والتعديل، ولا ندعي الإلمام بها والخوض فيها، فقد أوسعوها بحثا ونقاشاً على امتداد قرون مضت.
أما لماذا تشظت هذه المدرسة إلى مدارس متعددة ومتخاصمة وسر هذا الانقسام، فلا شك أنه التشدد والتنطع في الدين وادعاء الحقيقة وصرامة إجبار الناس عليها، فهي التي لا شك تعمل على تفتيت هذه المدرسة وتفسح المجال واسعا للأهواء أن تسرح وتمرح في إدعاء معرفة الحقيقة، وأهم شاهد على هذا ما آلت إليه حركة الخوارج في القرن الهجري الأول والثاني والتي انقسمت إلى ما يقارب الثلاثين فرقة كلُ منها تدعي الحقيقة دون سواها وأخيراً اندثرت هذه الفرق ولم يبق منها شيء غير أفكار تقرأ في إطار المعرفة التاريخية فحسب. أما بالنسبة للجماعات السلفية وانقساماتها الدائمة اليوم فلا شك أن انقسامها يعود حالياً بشكل رئيسي إلى الاختلافات الشخصية بين بعض رجالها ومزاجية كل واحد منهم، وخاصة في ضوء الامتيازات التي يحظى بها قياديو هذه الجماعات في أوساط مريديهم، أو من قبل أطراف تعمل على دعمهم ماليا،ً بشكل يجعل القيادات كلاً يسعى للاستئثار بهذا الدعم دون غيره، وهو ما انعكس في شكل تشظي هذه الجماعات وانقسامها، وعدم الاكتفاء بالانقسام بل يلحقه صراع يستعير منظومة الفكر السلفي في تكفير الخصم وتبديعه وتفسيقه وإخراجه من مربع السنة والجماعة التي تحتكرها هذه الجماعات.
أما ما يتعلق باهتمامهم بالحديث أكثر من القرآن فهذا يعود بشكل كبير إلى التقليد الحرفي الذي يدمغ لا شعور هذه الجماعات لما عُرف قديما بمدرسة “أهل الحديث“مقابل ما عُرف بمدرسة “أهل الرأي” ، مع أن الكثير من الظروف الموضوعية والتاريخية قد تغيرت كثيراً لدرجة انه لم يُعد هناك وجود لأي من هاتين المدرستين اليوم، ولكن التقليد الحرفي هو الذي جعل هذه الجماعات تستمر في هذا الإطار الذي دفعها نحو استبعاد القرآن من مجال اهتمامها، مع أن القرآن هو المحدد الأول المقدم على ما يُعرف بعلم الجرح والتعديل الذي في ضوئه نقبل بهذا الحديث أو لا نقبل به من خلال المبادئ العامة التي وضعها القرآن في التعامل مع كل شيء في هذا الكون.
ولكن رغم هذا الجمود الذي وسم هذه الجماعات فكراً وممارسة فقد برز من بين صفوفها اليوم أصوات تجديدية إصلاحية تحاول إعادة رسم الأولويات في خطاب هذه الجماعات وإخراجها من مربع الماضوية الآسر الذي تتصارع فيه مع طواحين الهواء المندثرة المتمثلة بالفرق والجماعات التي لم يُعد لها وجود اليوم من معتزلة و أشاعرة وجهمية وقدرية وهلم جراً من الفرق والجماعات التي لم يُعد وجودها سوى أخبار وآثار في بطون الكتب.
ولا شك أن التيار الإصلاحي السلفي الذي يُعد اليوم أبرز ممثليه هو الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة قد قطع شوطاً كبيرا في ترشيد هذا الخطاب وإعادته إلى جادة الصواب من خلال وسطيته الفكرية وبساطته الخطابية ومن خلال توجهه نحو شؤون الناس الحياتية وحلحلة مشاكلهم اليومية المعاصرة التي لا شك أنقذت الناس من جمودية الفكر الوهابي الذي كبل عواطف الناس ومشاعرهم ونزعاتهم البريئة في دائرة ذهنية الحرام المطلق الذي يفقد الإسلام سعته ورحابته وينفر الناس من التدين والتزاماته. وأنا أرى أن لهذا التيار الإصلاحي مستقبلاً كبيراً في خضم التطورات الهائلة في إطار الاجتماع البشري الذي نزل القرآن الكريم هادياً له في كل مراحله ومسيراته إلى أن تقوم الساعة.
- كيف تقيم تجربة العدالة والتنمية التركي؟.
- لا شك أن هذه التجربة الرائدة وما حققته من نجاحات وانجازات تاريخية في الفكر والسياسة والاقتصاد وكل ما يتعلق بها كتجربة بشرية إسلامية في الحكم تجعل المتابع لها لا يفيها حقها، هذا عدا عن أن معرفة نجاحات هذه التجربة لم تُعد حكراً على المتابع لهذه التجربة أو المراقب لها؛ فقد شهد العالم كله بنجاح العدالة والتنمية التركي حزباً وفكراً وأداء في كل مناحي الحياة التركية التي لم تشهد من النجاح مثلما تشهده هذه المرحلة منذ أيام سليمان القانوني وسليم الأول وحتى محمد الفاتح..
وأعتقد أن هذا النجاح في السياسة والاقتصاد والفكر والممارسة والتطبيق ما هو إلا انعكاس مباشر لفكر صحيح وإستراتيجية فكرية وسياسية واضحة تضع الأولويات في مقدمة ما تريد وتتدرج في تنفيذها في صدق وإخلاص، لا مجرد شعارات تلهو بها العامة في الانتخابات ثم تنسى بمجرد الوصول إلى قبة البرلمان وقصور الرئاسة، كما هو حال الأحزاب العربية إسلامية أو قومية أو يسارية فالكل في هذا الأمر سواء.
إلا أن المفارقة في هذه التجربة التركية هي أن ممثليها يقعون في دائرة غير المرغوب فيهم أمريكيا وغربياً بتهمة الإسلاموية بأثر رجعي، هذه الإشكالية التي استطاع فريق العدالة المتناغم (اردوغان، جول، أُغلو) أن يخرج منها بعبقرية فكرية وسياسية فريدة ومدهشه بالقول إن هذا الحزب ما هو إلا حزب تركي محافظ يؤمن بالعلمانية التي تحترم مشاعر الناس وعقائدهم، في الوقت الذي يمثل فيه مرحلة للمصالحة بين الشعب التركي وتراثه الإسلامي، وهذا ما تحقق فعلا على امتداد ثمان سنوات تربعاً على عرش الأناضول العثمانية، بعيداً عن دوشة الشعارات الرنانة والجعجعة دون طحين كما يُقال.
-يحمّل البعض شهيد الكلمة سيد قطب مسؤولية التنظير للعنف المعاصر، كيف ترى هذا الأمر؟ وما حقيقة خلافه مع الإخوان؟ ولماذا رأى فيه (السروريون) مرجعية فكرية كافية؟ وما هو موقف الإخوان من أدبياته وأفكاره الآن؟.
لا شك أن القول أو الحكم على أن سيد قطب مسؤول عن العنف المعاصر فيه الكثير التحامل والظلم لسيد قطب، لأسباب موضوعية وذاتية عدة أولها:
أن قراءة سيد قطب في «معالم على الطريق» فيها الكثير من عدم الموضوعية التي تتمثل بأن معالم في الطريق لم يكتبه (سيد) وهو يستجم في منتجع كمب ديفيد أو الغردقة، بل كتبه في سجن أبو زعبل جهنم الشر البشري في القرن العشرين، كتبه (سيد) وهو تحت سياط التعذيب والجلد والكي بالنار والحديد، وبالتالي فإن قراءة هذا الكتاب بعيداً عن استحضار مثل هذا الجو فيه الكثير من البعد عن الموضوعية، فالمعالم باختصار هو نتاج فكر أزمة، كُتب في المعتقلات والسجون، لا في الضياع والقصور والمتنزهات التي كُتب فيها طوق الحمامة والعقد الفريد وغيره، وبالتالي فلا بد أن يكون النظر إلى (سيد) بعيدا عن هذه الأجواء فيه الكثير من التحامل وعدم الموضوعية، وبالتالي يجب عدم الحكم بهذه السهولة الترفية، فسيد الحقيقي يمكن أن تقرأه وتعيد قراءته في ظلال القرآن والعدالة الاجتماعية ورسالة الروح والتصوير القرآني والنقد الأدبي، سيد ذلك الشفاف الأديب الأريب الفيلسوف الحكيم المصلح الاجتماعي، لا سيد الذي يُراد تصويره من خلال أصوات الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة.
أما بالنسبة لموقف الإخوان من أدبياته فأعتقد أن سيد قطب هو المفكر الوحيد الذي كلُ يدعي وصلاً به واحتكاراً لأفكاره، فالجهاديون يرون سيدا مرجعاً لهم، وكذا السروريون مثلهم مثل الإخوان، الكل يدعي مرجعية سيد له، والكل يجد في فكر سيد ما يريد مع أن الحقيقة التي يجهلها الجميع هو أن سيد لم يقرأ قراءة واعية ومنصفة حتى اللحظة، وهذا لا يعني أن سيد كان فوق الخطأ أو أنه لم يخطئ فهذا قول لا يقوله أحد، فسيد في الأول الأخير بشر يخطىء ويصيب، ولكن يبقى أنه الرجل الذي دفع روحه ثمناً لأفكاره التي آمن بها.
-------
ينشر بالتزامن مع صحيفة الجمهورية اليمنية
|
|
|
كتبها اسماعيل رفندي
|
لاشك أن من ينوي التغير يحاول بكل مالديه من قوة ان يتحلى بصفات وعوامل التأثير، من أجل الوصول إلى أهدافه ومراميه، لذا نرى على مستوى العالم كلَّ الكتاب والعلماء وأهل التجارب الناجحة يؤكدون على ذلك، لأنها تعتبر من جوهر الجاذبية في أي مجال كان؛ ومن هذا المنطلق ترى أهل الهمة والجدية يقومون بمراجعات ذاتية والنقد الذاتي قبل أن يلاحظه الآخرون، وتراه يقود القوافل البشرية على مختلف أصنافها و يؤثر تأثيراً ايجابيا و منتجاً ويجتاز العقبات ويحل المشاكل، وأهدافه مرسومة على جبينه ومقاصده متوغلة في أعماق قلبه وهمته تنبعث من روحه فيصبح متميزا و مؤثراً مع الحفاظ على التوازن.
إذا ما هي أبجديات التأثير؟
وفق فقه التنمية البشرية بين الشرق والغرب أي في التراث الإسلامي والأوروبي والغربي إن الطموح إلى التأثير يجب أن يتحلى بالصفات والخصائص التالية:-
1-أن يتخذ من الصدق مقاماً ومن العدل مساراً ومن الإخلاص حقيقة.
2-إن ما أكد عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم من الصفات تجعله نصب عينيه كالرفق والعلم والصبر والاستمرارية.
3- و يتحلى أيضا- قلباً وقالباً -بمنظومة العاطفة مثل الحب الصادق والعاطفة الندية والود والحنان، ويجعل الألفة في حياته مَعلَماً.
4-حسب اطلاعي ومطالعاتي أرى أن أكثر أهل التنمية وخبراء الدراسات الإنسانية مؤمنون خاصة في العشرين السنة الماضية وحتى ألآن، لذا كلهم يؤكدون على التمسك بعامل الإيمان والعقيدة وان المؤمن اسعد من غيره ويؤثر في الآخر بروحه قبل كلامه.
5-ومع إيمانه يحسن الظن بربه ويعترف بالتقصير ولكن مع المراجعة الذاتية الجادة.
6- وله شعار "من لا يبرمج وقته يعش في فوضى ومن لايحترم وقته لايحترم عمره".
7- و يؤمن بالتراكم سلباً و ايجاباً،لذا يستمثر كافةما لديه من معلومات وصفات و تجارب للتركيز على الهدف.
8- يؤمن بشكل عملي بالقواعد الإنسانية مثل (الإنسان اجتماعي بالطبع) لذا يتفاعل مع الطبقات الإنسانية المقصودة في أفراحهم وأحزانهم.
9-يستفيد من الوسائل سواء كانت تقليدية او مستحدثة وعلى رأسها التكنولوجيا لاستثمار لحظات عمرة بأكمل وجه.
10- وينتقى الكلمات، جمالها وأحلاها وأصوبها لأنه مؤمن بان الكلمة الطيبة صدقة،ويريد أن يؤثر بصدقاته للخير.
محركات المؤثر الايجابي :
من حق القارئ أن يقول أن التأثير موزع على كل الناس صالحهم وطالحهم، ومؤمنهم وكافرهم، ويمكن معرفة أهل التأثير الايجابي والصالح من السلبي من خلال انَّ أهل التأثير الإيجابي يتميز بالصفات الآتية:-
1-أنَّ لهم أهدافا واضحة لا غموض فيها مع الحفاظ على النفع العام.
2-ليس أنانيا لا في الرأي ولا في الامتلاك لأي شيء.
3-يربط بين كل مجالات الحياة الأرضية بقوانين سماوية.
4-له مواقف إيجابية مع التضحية المستمرة.
5-يبحث عن الحقيقة ويؤمن بها.
6-للانجاز عنده قيمة ولكن ليس على حساب السلوكيات.
7-كذلك يؤمن بالتطور العلمي مع الحفاظ على مبادئه.
|
|
كتبها جاسم محمد طه
|
عندما يبدأ المرء بتربية نفسه لا بد له من اتباع طريقة السلف الصالح في هذه الأمة، جيل التأسيس ومن بعدهم، لأنهم ربوا أنفسهم وأحسنوا تربيتها على خطى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم-فهم القدوة وكل منهم مدرسة في هذا المجال كما في غيره من المجالات، ولنا فيهم أسوة:
يتحدث الحسن البصري- رحمه الله-عن ابرز صفات السلف:
1-احتقارهم للدنيا . 2-عدم التعلق بها. 3-قوة التعلق بالآخرة. 4-قوة الإخاء بينهم.
ويقول عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي-رحمه الله- :
-(دخلت (دمشق) على كتبة الحديث، فمررت بحلقة (قاسم الجوعي)، فرأيت نفرا جلوسا حوله وهو يتكلم عليهم فهالني منظرهم، فقدمت إليه فسمعته يقول؛ اغتنموا من زمانكم خمسا:
1-إن حضرتم لم تعرفوا 2-وإن غبتم لم تفقدوا 3-وإن شهدتم لم تشاوروا 4-وان قلتم شيئا لم يقبل قولكم 5-وان عملتم شيئا لم تعطوا به.
واوصيكم بـ :
1-إن ظلمتم لم تظلموا. 2-وإن مدحتم لم تفرحوا. 3-وان ذممتم لم تجزعوا. 4-وإن كذبتم فلا تغضبوا.
قال: فجعلت هذا فائدتي من دمشق.
ولكن قبل أن ندخل في موضوع تربية النفس وتزكيتها، لا بد لنا من معرفة مداخل الشيطان إليها لنسد هذه المداخل، فهو عالم بمنافذ هذه النفس ونقاط ضعفها، لأنه والنفس في صف واحد ضد الإنسان؛ فإذا ظفرا به فهو هالك لا محالة، وإذا ظفر بهما فهو يقهرهما ويصرعهما، والمعركة قائمة ما دامت الروح باقية في الجسد، والقوة التي يقهر بها المؤمن نفسه والشيطان هي التقوى وطاعته، ولكن ذلك يتطلب عزيمة صادقة من الإنسان وإرادة قوية، لأن كيد الشيطان ضعيف، قال الله تعالى{ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } .
من مداخل الشيطان:
1-الأمر بالسوء
الشيطان لا يأمر إلا بالسوء، وإذا استطاع الشيطان ان يجعل المرء يطيعه فقد حقق هدفه وأمنيته وغايته، ومن أطاع الشيطان فقد هلك، وذلك لأن الشيطان عدو الإنسان، قال الله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، وعداوة هذا العدو مقاومته وعدم تنفيذ ما يأمر به، وعدم التنازل له مهما كلف الأمر لأنه عدو مضل أعلن عداوته لنا علنا، قال تعالى: { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا(117)لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا(118)وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلاَمَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا(119)يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} النساء117-120.
2- نسيان ذكر الله
الشيطان يجعل الإنسان ينسى ذكر الله عز وجل ويبعده عن ربه سبحانه، ويصرفه عن الصراط المستقيم، حتى يستحوذ عليه ويسيطر عليه سيطرة تامة، فيخسر المرء خسارة لا تعوض، قال تعالى: { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ }المجادلة19.
فهؤلاء الذين استحوذ عليهم الشيطان وسيطر على نفوسهم هم أنصاره وأحباؤه، ولكنه يتبرأ منهم يوم القيامة؛ قال الله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ابراهيم-22.
3-التخويف
يحاول الشيطان أن يخوّف المؤمن من رزقه، من عدوه، من نفسه، من كل شيء ويجعله أسيرا له، قال الله تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }آل عمران-175.
فالمؤمن لا يخاف إلا من ربه عز وجل، فيسد هذا الباب في وجه الشيطان ولا يسمح له بدخول النفس مهما حاول ومهما اجتهد، لأن التسلح بتقوى الله يجعل الشيطان يرتدّ على عقبيه.
4-الوعود والأماني الكاذبة
الشيطان لا يملك لنفسه شيئا فكيف يعد أتباعه؟ وقد قيل؛ فاقد الشيء لا يعطيه! وإنما يغريهم بالوعود الكاذبة، ولا وجود لما يعد به الشيطان، كسراب بقيعة يحسبه الضمآن في الصحراء ماءا حتى إذا جاءه لم يجد ما يسعى إليه، فيهلك الشيطان ويهلك من اتبعه، ويوم القيامة يتبرأ منهم ويلومهم، لأنه يعرف بأنه يكذب ويفتري، قال الله تعالى:{ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ابراهيم-22.
ويندم هؤلاء جميعا ولكن وقت الندم فات ويقوم كل منهم بالصراخ قائلا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً} الفرقان27-29.
5-الإيحاء بالمجادلة
الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا أصحاب الحق بالباطل، الذين هم يؤمنون به، وهؤلاء يعرفون بأن هذا باطل ولكنهم مع ذلك يطيعونه، وقد يحاول الشيطان أن يشكك المؤمن في دينه ويلح على أوليائه ليجادلوا أهل الحق، لزعزعة إيمان المؤمن، قال تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } الانعام121.
6-غرس اليأس
اليأس هو موت الأمل في النفوس، والشيطان يقوم بقتل الأمل في نفوس الناس، وهذا ما فعله في يوم بدر، قبيل المعركة، إذ حاول غرس اليأس في قلوب المؤمنين وثنيهم عن العزم والسير إلى المعركة، ولكن الله تعالى ثبتهم على الحق وأذهب رجز الشيطان عنهم وطهرهم. قال تعالى: { .. وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ }الأنفال11.
7-الغـضـب
الغضب يطفئ التفكير، ويشوش العقل ويسد بابه ولا يستطيع المرء بسببه أن يفكر بشكل صحيح، ويفتح باب النفس على مصراعيه لاستقبال الشيطان بهجماته الشرسة، فيسقط المسلم أمام هجماته لأنه لم يصمد بل ضعف، فأما إن استطاع بعقله أن يسيطر على الغضب وفكر، فانه سيطفئ النار المشتعلة في نفسه، لان العقل هو السلاح الفتاك الذي يصمد أمام الشيطان، يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-(( ان الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الواعي عند حلول العقبات)) والعقبة الكبيرة أمام النفس هي الغضب، لأن الغضب هو مصدر الكثير من الفتن، ولذلك كان النبي(صلى الله عليه وسلم) يوصي أحد أصحابه بأن لا يغضب، عندما طلب منه ان يوصيه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)(( لا تغضب..ثلاث مرات))رواه البخاري في صحيحه/6116، والترمذي مسنده/2020.
8-الشهـوة
الشهوة من أوسع مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ومنشأ جميع الآفات شهوة البطن، ومنها أصيب آدم وزوجه-عليهما السلام-عندما ذاقا من الشجرة التي نهاهما عنها ربهمّا عز وجل، فأخرجهما من الجنة، بسبب هذه المعصية، ومن الجوانب الأخرى للشهوة الإسراف في الأكل والشرب، وإن كانا من ضرورات الحياة ولا تستمر الحياة بدونهما، ولكن بدون إسراف، قال الله تعالى{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا...}الأعراف31، وان صحة البدن في الأكل والشرب القليل، فإن من قلّ أكله قلّ مرضه.
ومنها الشهوة الجنسية، فيجب أن يسيطر المؤمن على شهوته الجنسية، وأن لا يصرفها فيما نهى الله عنه ورسوله، يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم(( أضمن لي ما بين لحييك، وما بين فخذيك، اضمن لك الجنة)) وقوله صلى الله عليه وسلم(( معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم له وجاء)) النسائي في السنن4/169.
ومنها شهوة الملك والمنصب والمال والتملك وغيرها، وكلها سلاح بيد الشيطان يحارب الإنسان بها ويهديه إلى سواء الجحيم.
9-العـجلـة
وهي سبب الوقوع في كثير من المهالك، ومن طبيعة الإنسان أنه يحب العجلة، وقد يتصرف بدون تفكير فيؤدي إلى كارثة أو مشكلة، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-((العجلة من الشيطان، والتأني من الله تعالى)).
10-الحسد والبغضاء
الحسد يشعل النار في القلب، ويجعل النفس تحقد على الآخرين فتعمى البصيرة، ويجعل الإنسان أسيرا لحسده وحقده، فلا يرى أمامه إلا الشر، لذلك كان لا بد للمؤمن أن يتعوذ بالله من هذا الشر. قال الله تعالى:
{ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } الفلق5، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحذر أصحابه- رضي الله عنهم وأرضاهم –من الحسد والبغضاء بقوله: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) رواه البيهقي.
-وما اهبط الشيطان من السماء إلا الحسد على آدم وزوجه –عليهما السلام-وعلى ذريتهما.
-وما قتل قابيل أخاه هابيل إلا الحسد الذي ملأ قلبه به.
وكل ذلك من الشيطان، هو الذي يغرس الحقد والحسد والبغضاء في نفوس الناس ومن لم يسد هذا الباب امام الشيطان فانه سوف يملأ النفس والقلب بهذا الداء الفتاك، يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) فتشبيه الحسد بالنار دليل على خطورة هذا الداء الذي يأكل حسنات المؤمن ويترك رصيده صفرا، لأن النار لا تبقي من الحطب شيئا بعد إشعالها فيه.
11-البخل
يحاول الشيطان أن يزرع حب المال لدى الإنسان ويحاول جاهدا ألا ينفق شيئا، خوفا من الفقر، قال الله تعالى{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاَ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } البقرة 268، ومن أطاع الشيطان يبقى أسيرا له؛ وقد يتطور الأمر إلى أن يكون هذا الشخص عبدا لهذا المال، فالمال الذي لا ينفق منه في سبيل الله قد زرع في نفس صاحبه، وإذا وقع المال في القلب يكون العبد أقرب إلى الهلاك، ولذلك يأتي الدعاء: اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا.. والمال لا ينقص من صدقة، يقول الرسول-صلى الله عليه وسلم: (والله لا ينقص...والله لا ينقص...والله لا ينقص مال من صدقة).
12- تزيين الباطل
عندما طرد الله عز وجل إبليس واهبطه إلى الأرض اقسم بالله عز وجل ان يحاول بشتى الطرق والوسائل ان يغوي الإنسان ويضله ويزين له الباطل، قال الله تعالى إخبارا عن الشيطان عندما طرده من رحمته ولعنه: { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ }الحجر39-40، الإنسان المخلص هو الذي يستطيع ان ينقذ نفسه من الشيطان وأعوانه، وذلك بمقاومته والتزام طاعة ربه عز وجل، والتزام أوامره ونواهيه.
هذه بعض مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان، فإذا استطاع أن يدخل إليها يهلك النفس ويهلك صاحبها، ويدمر النفس باحتلاله لها ويجعلها أسيرته ويقيدّها ويجعلها تطلب من صاحبها تنفيذ أوامره وتطيعه باستمرار، ولكن المؤمن الحريص يسدّ هذه الأبواب أمام هجمات الشيطان ووعيده، ويرد كيده في نحره، فيعود الشيطان خائبا ذليلا حقيرا ملعونا وصاغرا..مصداقا لقوله تعالى{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً }الاسراء65. r
|
|
|
|
|
|
|
صفحة 1 من3 |